الاقتصادية تنبش أسرار «مخزن الوظائف المعطَّل» (10)
التجزئة.. عين الرقيب هل أغمضت عن «أبو ريالين»؟
وجدي القرشي مكة المكرمة
لا يكاد الحديث يدور عن محال البيع المخفض وما يباع فيها من سلع (أبو ريالين)، إلا ويثار موضوع الرقابة ودور الجهات الحكومية في متابعة ما يباع في هذه المحال، ودور الجهات المختصة في النظر لهذا القطاع على أنه مخزن حقيقي للوظائف في حال تهيئته من خلال نظم وتشريعات واضحة وصريحة. كما أن التساؤلات تثار كثيرا حول ما يباع في هذه المحال، خاصة من الناحية الصحية في ظل تصاعد المخاوف من تسويق منتجات مسرطنة، خاصة في ظل منع بعض دول العالم عددا من سلع شرق آسيا تحديدا.
اليوم في الحلقة العاشرة من ملف ''التجزئة .. مخزن الوظائف المعطل''، نتطرق إلى دور الرقيب في انتشار مثل هذه الأسواق، وطرق الرقابة عليها من قبل وزارتي التجارة والبلديات وغيرهما، كما نتطرق إلى ما ينادي به البعض بتوطين هذه الصناعة خاصة في منطقة مثل مكة المكرمة لاستثمار موقعها المتميز وكثافة الزائرين من الحجاج والمعتمرين.
نقاشنا اليوم يأتي في سياق مناقشة قضية التجزئة من مختلف جوانبها، سواء من خلال الأموال التي تدار فيها دون رقابة، خاصة أن كثيرين يرون أنها مهيأة لتكون أرضا خصبة لغسل الأموال والأفعال غير الشرعية قياسا بالدخل المالي العالي اليومي الذي تدره، ومن جوانب أخرى، تتعلق بفرص العمل. ونشير إلى أننا في الحلقات السابقة تطرقنا إلى البقالات تحديدا كأحد أهم عناصر قطاع التجزئة في البلاد، قبل أن نبدأ هذا الأسبوع في فتح ملف ''أبو ريالين'' من خلال آراء عدد من الاقتصاديين والمسؤولين. إلى التفاصيل:
مجهر رقابة
خلال الفترة الماضية وضعت جهات رقابية حكومية محال ''أبو ريالين'' تحت مجهرها، مشددة في الوقت ذاته على أنها لا تتوانى في فرض عقوبات على تلك المحال التي تحوي المنتجات المضرة للصحة، من مستحضرات تجميلية، إلى مواد طبية عشبية، وغيرها التي تضر المستهلك، مبينة أن العقوبات تبدأ بمصادرة تلك المنتجات، وإتلافها، وتنتهي إلى فرض غرامات مالية، وإغلاق المتجر لمدة أسبوع. أمانة العاصمة المقدسة أدلت بدلوها في قضية متابعة محال التخفيضات أو التي يطلق عليها في مكة ''الخردوات''، حيث أكدت على لسان الدكتور محمد أمين فوتاوي مدير إدارة صحة البيئة في الأمانة أن هناك لجنة مشكلة من مندوبي الأمانة، والشؤون الصحية، وشرطة العاصمة المقدسة، تتابع ميدانيا، ويوميا تلك المحال، وغيرها من الأنشطة التجارية، وتصادر، وتتلف كل ما من شأنه أن يضر بصحة الجميع. وأكد الدكتور فوتاوي أن اللجنة، بمتابعة من قبل إمارة منطقة مكة المكرمة، تقوم بمتابعة ما يباع في تلك المحال، وغيرها التي تحوي بداخلها مستحضرات، وأعشاب طبية، غير مرخصة، مشيرا إلى أن عمل هذه اللجنة ميدانيا، ويوميا، حيث تقوم بتكثيف حملاتها الميدانية على تلك المحال، ومصادرة كل المستحضرات والأدوات الطبية، من أعشاب، وغيرها من الحبوب أيضا.
وقوف ومصادرة وإتلاف
وشرح فوتاوي آلية العقوبات فقال إنه يتم الوقوف أولا على الموقع قبل أن تقع المصادرة ثم يجري إتلافها، وقال إنه في حال تكرر الأمر، فستتم المصادرة، ومعاقبة المالك ماليا، على أنه لو تكرر هذا الفعل للمرة الثالثة، تضاف إلى تلك العقوبات، إغلاق المتجر لمدة أسبوع.
رخيص وتخزين سيئ مدير إدارة صحة البيئة كان صريحا بعض أن شرح الدور الرسمي لإدارته فقال إن ''هناك مجموعة من التجار يتعاقدون مع شركات متخصصة آسيوية تبيع بضائع رخيصة، ويأتي دور التاجر الذي يخزنها بطريقة سيئة يؤدي إلى فسادها''، ولفت ''دورنا معاينة هذه البضائع وإذا اكتشفنا تغيرا في الخواص الطبيعية بالنسبة للمواد التجميلية أو المنظفات سواء في الشكل أو اللون بسبب تعرضها لأشعة الشمس أو الحرارة الشديدة، يتم حجزها وسحب عينات منها وإرسالها إلى مختبرات هيئة الغذاء والدواء. ولم يخف فوتاوي ''أن هناك تجارا يدمجون (يخلطون) البضائع الجيدة بالرديئة، مشددا على ضرورة معرفة تاريخ صلاحية المنتج، فأغلب المستهلكين لا يعرفون تاريخ انتهاء المنتج، فيركزون اهتمامهم على الأسعار فقط''.
منتجات كهربائية خطيرة
حول المنتجات الكهربائية الرديئة قال فوتاوي ''يجب ألا يتم السماح لها بالدخول أصلا، إلا بعد أن تجرى لها اختبارات من قبل هيئة المواصفات والمقاييس، لافتا إلى أنه تم ضبط الآلاف من المنتجات الكهربائية رديئة الجودة، من خلال الجولات الميدانية التي يقوم بها أفراد لجنة ''حكيم الأعشاب'' في الأمانة، إضافة إلى كميات أخرى ما زالت محجوزة حتى يتم إتلافها.
مكة .. لماذا؟
وحول انتشار هذه المحال في مكة المكرمة أكثر من أي مدينة أخرى في البلاد قال فوتاوي إن هناك أسبابا: الأول أن مكة المكرمة تشهد في أكثر أوقات السنة، توافد أفواج كثيرة من المعتمرين، والحجاج، الأمر الذي يكون محفزا جيدا لتلك المحال، في ازدهار مبيعاتها، وبالتالي تجلب الجيد، والرديء، رخيص الثمن، أما السبب الآخر، هو قرب مكة المكرمة من جدة التي تعد منطقة استقبال لتلك البضائع الرخيصة، عن طريق الميناء، مما يسهل على التجار، جلبها إلى مكة المكرمة، لتجد التصريف المناسب وبسرعة وقتية هائلة. وطالب فوتاوي جميع المستهلكين بالتأكد عند شرائهم المواد التجميلية من مكوناتها وبياناتها التي لا بد أن تكون باللغة العربية وتاريخ الإنتاج والانتهاء، وطرق تخزين المنتج، بأن يراعى وجودها في بيئة نظيفة وباردة بعيدة عن الحرارة والرطوبة أو أشعة الشمس الحارقة.
التكلفة والعمالة الرخيصة من جهته أكد الدكتور محمد الجرف أستاذ الاقتصاد الإسلامي، في جامعة أم القرى، أن مسألة إنشاء مصانع للبضائع الرخيصة، ليس ممكننا لا في المملكة، أو في المنطقة العربية كافة، وذلك بسبب أن الدول المصنعة، مثل الصين، والهند، وماليزيا، تمتلك عمالة ذات أجور رخيصة، لا يمكننا أن تنافسها أبدا، إضافة إلى أن بعض الدول يلجأ إلى دعم الصناعات، بالنسبة للتصدير، التي من أهمها صناعة الخرداوات، وبالتالي فالسعودية على سبيل المثال لديها أولويات أهم من صناعة الخرداوات، نظرا للبيئة الاجتماعية التي تتطلب أن تهتم بأولويات أخرى أهم من صناعة الخردواات، فضلا عن أن الصين مثلا تمتلك سوقا واسعة لترويج مثل تلك الصناعات، ولديها القدرة على تلبية طلبات السوق الخارجية من صناعة الخرداوات.
حملات وترويج
وأضاف الجرف، أن الحملات الدعائية لمحال الخردوات، ''أبو ريالين'' التي تركز على رخص ثمن السلعة، لقيت رواجا، وتقبلا لدى المواطن السعودي، أو المقيم الأجنبي، لأن ثقافة التخفيضات رائجة لدى ذوي الدخل المحدود، إضافة إلى غياب الوعي التسويقي لدى بعض المستهلكين في السعودية، وهو ما يجعل هؤلاء مدفوعين لتقبل مثل تلك الحملات الدعائية، الراغبة في الشراء برخص الثمن.
النمطية والبضائع الرديئة
وتابع أستاذ الاقتصاد الإسلامي في جامعة أم القرى ''أنا لا أضع أعذارا لتجار الخردة أو ''أبو ريالين'' في عدم جلبهم بضائع جيدة الصنع، فالتاجر يتبع نمطية المجتمع الذي يوجد فيه، فلو أنه أحضر سلعا جيدة، وبسعر مرتفع، لزاما عليه سيرفع السعر، كي يربح فيه، ولكن تقبل المجتمع في السعودية، المنتجات رديئة الصنع، ورخيصة الثمن، التي هي من أهم متطلبات الشارع السعودي، جعله ينغمس في طلب مثل تلك البضائع السيئة''.
العمالة الوافدة المسيطرة على السوق
وتطرق الدكتور الجرف، إلى سيطرة العمالة الوافدة على سوق ''أبو ريالين'' من خلال سماح المواطن السعودي لهم بممارسة هذا النشاط، من دون أن يكون له أي دور في هذه السوق، مبررا ذلك الشيء بأن المواطن السعودي عندما يفتتح مشروعا مثل مشروع ''أبو ريالين'' لا يستمر فيه، بل يكتفي بمبلغ مالي نهاية كل شهر، تاركا الحبل على الغارب للوافد يتصرف في تجارة الخرداوات، كما يحلو له، مما يجعله يكسب مداخيل مالية وافرة، يعطي منها الفتات للمواطن السعودي، الذي يكتفي بدور مخلص الإجراءات الرسمية، من تجديد رخصة المحل، وغيرها، إضافة إلى أن هؤلاء العمالة الوافدة يهمهم في الدرجة الأولى الكسب المادي، الأمر الذي يجعلهم يستوردون البضائع المتهالكة الصنع، والمضرة صحيا على المجتمع.
أبو ريالين سلاح ذو حدين
اعتبر الدكتور الجرف، محال أبو ريالين سلاحاً ذا حدين، إذ إن انتشارها وتوسعها كبد بعض المحال التجارية خسائر، فمثلاً المكتبات، ومحال الأدوات القرطاسية أبدت انزعاجها من هذه المحال وانخفاض أسعارها، ما دعا الطلبة وأهاليهم إلى التوجه إلى ''أبو ريالين'' لشراء الدفاتر والأقلام والأدوات الهندسية، وهذا طبعاً في النهاية من مصلحة المستهلكين.. أخيرا قال الخبير الاقتصادي الجرف إن سوق البضائع المخفضة في السعودية تسيطر عليها العمالة الوافدة، لأنها غير مهيأة للسعوديين، وبالتالي فإن المالك يركن إلى التحصيل الشهري وبمبالغ زهيدة، ويترك التجارة الفعلية للعمالة الوافدة، التي لا تتوانى في جلب البضائع رديئة الصنع، على حساب الجودة، وسلامة صحة المجتمع.
http://www.aleqt.com/2011/02/02/article_499118.html