الاقتصادية تواصل تقليب ملف «مخزن الوظائف المعطلة»
تجارة التجزئة.. قصص نجاح في محيط يكرس للفشل!
تحقيق: عبد الهادي حبتور
البحث عن أمثلة ناجحة في قطاع تجزئة البقالات تحديدا كمن يبحث عن إبرة في كومة قش، قياسا بوضع سوق التجزئة التي تسيطر عليها العمالة، بيد أن التحدث مع بعض الأمثلة فيه يبعث على الأمل مرة أخرى على الرغم من المرارة والغصة التي يتحدث بها من يعانون داخل هذا القطاع العملاق. مثالان نستعرضهما اليوم في حلقة ملف قطاع التجزئة السادسة، حيث قاوما تكتل العمالة، أولهما يعمل في بقالة براتب شهري والآخر يملك بقالة.
على الطرف الآخر،
فإن الإمكانات المادية والدعم اللوجستي لا يعني إمكانية النجاح للسعوديين في هذا القطاع، وهنا نستعرض تجربة شباب سعوديين خاطروا بإنشاء سلسلة بقالات على طراز حديث، لكنهم رغم ذلك عانوا الأمرين، وهو ما يعني أنه لا بديل عن إصلاح سوق العمل وقطاع التجزئة على وجه التحديد لتكون المنافسة عادلة فيه بين السعوديين والأجانب. نذكر أن حلقاتنا السابقة ركزت على كشف أسرار هذا القطاع من خلال عاملين فيه، اقتصاديين، مراقبين، ومسؤولين في جهات حكومية.. إلى التفاصيل:
مجرشي والمعوقات
تجاوز الشاب يحيى مجرشي كل الصعوبات والمعوقات التي تقف أمام عمل الشباب السعودي في محال التجزئة الصغيرة كالبقالات والسوبر ماركت، متسلحاً بالإرادة أولاً ثم الدعم والتشجيع من الأهل والأقارب والأصدقاء الذين وقفوا بجانبه، مؤكدين أن «الشغل ليس عيباً أياً كان». يقول يحيى الذي أكمل عامه السادس والعشرين إنه بدأ العمل منذ أن كان في الخامسة عشرة بعد أن ترك مقاعد الدراسة لأسباب عائلية، ويضيف «بعد أن تركت دراستي عملت في إحدى الشركات في جدة لمدة عامين لكنني اضطررت لتركها بسبب وفاة جدي وسفري لمدينة جازان، وبعد عودتي عملت في حلقة الخضار التي رأيت فيها العجب من خلال سيطرة العمالة الوافدة بالكامل على مفاصلها».
البداية من حلقة الخضار ويتابع «كنت أعمل في حلقة الخضار باليومية ومديري من جنسية عربية لا يرغب في توظيف السعوديين ويسعى لمضايقتنا بأي طريقة، فالأجر اليومي يعطي السعودي من 70 إلى 80 ريالاً، فيما الوافد من جنسيته نفسها يصل أجره اليومي إلى أكثر من 150 ريالا، كانت ظروف المعيشة تجبرني على تحمل كل تصرفاته، وبعد ثلاث سنوات من العمل فجأة يقرر فصلي من العمل دونما أي أسباب أو مبررات، فقط ليحل مكاني عامل من جنسيته، لم أستطع تقديم شكوى ضده كوني لا أعرف إلى أين أتجه، فتركته وفي نفسي أقول: «من توكل على الله فهو حسبه». إلا أن يحيى لم يستسلم لليأس والجلوس كونه أكبر إخوانه في أسرة تتكون من 25 فرداً فوالده متزوج من اثنتين ويجب عليه العمل بأي طريقة، يواصل حديثه «قررت بعدها خوض غمار التجارة بنفسي بمخزون الخبرة التي اكتسبتها من عملي في حلقة الخضار، فأخذت مبلغا يقارب 200 ريال واشتريت بضاعة من الحلقة ووقفت عند المساجد وعلى ناصية الشوارع أبيعها، كنت أحصل على ربح 20 أو 30 ريالاً وكنت سعيداً بذلك رغم مشقة العمل، وبالرغم من ذلك فوجئت بالأمانة تمنعني من البيع بقولهم إن ذلك غير مشروع وليس نظاميا».
بين العمالة والأمانة عندما سدت في وجه يحيى مجرشي كل الأبواب، فمن جانب حاصرته العمالة الوافدة ومافيا الواسطة، وقفت له إجراءات الأمانة في الجهة الأخرى، فبحث عن عمل حتى وجد العم غازي صاحب البقالة التي يعمل فيها حالياً وشرح له وضعه وأنه يريد العمل لكسب لقمة العيش له ولأسرته، فرحب به ووظفه على الفور وسلمه إدارة المحل والبيع فيه، يقول يحيى عن هذه الجزئية «أعطاني العم غازي الفرصة ووظفني للعمل في البقالة وأتمنى أن أكون عند حسن ظنه، أعمل 12 ساعة من الثامنة صباحاً حتى الثامنة مساء، صدقني لا أشعر بأي صعوبة والأمر بسيط، في رأيي أن من يريد العمل بالفعل من أجل لقمة العيش لن يجد صعوبة في ذلك». ويردف «لقد شعرت بالاستقرار والراحة النفسية بعد عملي في البقالة بعد مشوار طويل من «الهجولة» أو التخبط للبحث عن عمل، حتى مكتب العمل طرقته مرات لكن لأنني لا أحمل شهادة كانت الوظائف لديهم حارس أمن فقط ورواتب هذا المجال تتأخر كثيراً حسب علمي ولذلك لم أرغب فيه». وعندما وجهنا سؤالاً مباشراً ليحيى ما إذا كان على استعداد لفتح مشروع بقالة صغيرة له في حال حصل على التمويل اللازم والدعم أجاب بقوله: «بالتأكيد سأكون سعيداً إذا حدث ذلك وأنا على استعداد كامل للعمل ومواجهة كل التحديات رغم قسوتها».
تجربة ناجحة من جانبه، يوضح العم غازي صاحب البقالة حكايته مع مشروعه التجاري الذي بدأه ببقالة صغيرة في حي الربوة كان يشرف عليها يومياً في آخر اليوم لكنه سرعان ما اكتشف أن العامل يبيع أشياء لحسابه الخاص، فسرحه من العمل وأغلق البقالة. ويضيف «فتحت بقالة أخرى في حي السلامة وحاولت البحث عن شخص أمين لإدارتها لكنني فشلت بكل أسف وبعد فترة وجيزة اضطررت لتقبيلها، بعدها قررت فتح هذه البقالة وحاولت قدر الإمكان الإشراف عليها بنفسي،
لكنني أواجه حربا شعواء من عدة اتجاهات أبرزها الموزعون الذين يمثلون 100 في المائة أجانب، فبمجرد أن يعلموا أن صاحب البقالة سعودي لا يأتون نهائياً إلى البقالة ومن الممكن أن يأتيك مرة فإذا ما تأكد في المرة المقبلة أنها لسعودي يقرر تجاهلها رغم أنني أدفع بالنقد لهم ولكن لا حياة لمن تنادي».
شركات ترفض التعامل «حاولت الاتصال بالشركات خصوصاً شركات العصائر والحليب لأشرح لهم الوضع لكنهم إما يصرفون لي وعوداً وهمية أو يقولون إن البقالة ما زالت في طور التأسيس وتحتاج إلى وقت من أجل التعامل معها». ويتابع حديثه بحسرة «بقالة لا تبعد عن بقالتي أقل من 20 متراً اذهب وانظر إليها ستجدها مليئة بجميع الأصناف والأشكال من شتى أنواع البضائع، فقط لأنها لعمالة أجنبية،
للأسف السعودي يذوق الأمرين في بلده، منافسة الأجنبي، واحتكار التوزيع ويبقى هو وحيداً». ويؤكد العم غازي أن العمل في قطاع التجزئة في خير كبير بشرط أن يقف الشخص على أمواله ويديرها بنفسه، ويتابع: «السعودي عنده بيت، أسرة، أولاد، ارتباطات، ومن الصعوبة عليه الإشراف أو العمل في بقالة 12 أو 24 ساعة، والمال السائب يعلم السرقة، كما أن هناك شريحة من السعوديين يحبون الكسل، ويعطون بقالاتهم للأجانب مقابل 2000 أو 3000 ريال في الشهر». ويقول «في الأخير من يتعب ويكافح سيجني الثمار وأنا متفائل لأن العائد طيب، لكن تشغيل السعوديين ليس في كل الأحوال إيجابيا، البعض يحب الجلوس على الكرسي فقط، فيما الأمر يحتاج إلى مبادرة واجتهاد من الموظف. ويطالب العم غازي بسن قانون يحمي صاحب المحل ويحمي السعودي الذي يعمل في المحل وتنظيم العلاقة بينهما وقال «في كل الأحوال ومهما كان بعض السعوديين سيئا سيكون أفضل من الأجنبي، لكنني أتساءل: هل الجهات المختصة عاجزة عن القضاء على التستر التجاري، 80 في المائة من بقالات جدة يديرها أجانب، لماذا تكتفي الدولة بالمشاهدة، نحتاج إلى دعم من الدولة للبقالات التي تشغل السعوديين بمساهمة بجزء من رواتبهم مثلا وهذا سيدفع بتوظيف عدد أكبر من السعوديين».
http://www.aleqt.com/2011/01/24/article_495358.html